رغم الطفرات الكبرى التي شهدها قطاع الكهرباء والطاقة في مصر خلال السنوات الأخيرة، لا يزال الملف يطرح تساؤلات جوهرية تتعلق بكفاءة الإدارة، وعدالة توزيع الأعباء، وتأثير القرارات الأخيرة على المواطن المصري، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.
فبعد سنوات من المعاناة وانقطاعات التيار التي ألقت بظلالها على الشارع المصري، نجحت الدولة في إعادة الاستقرار إلى الشبكة القومية للكهرباء، من خلال تنفيذ مشروعات عملاقة في الإنتاج والنقل والتوزيع، أسفرت عن تحقيق فائض في الطاقة، وفتحت الباب أمام مشروعات الربط الكهربائي مع عدد من الدول الإقليمية، أبرزها السعودية واليونان وقبرص.
طفرات في الإنتاج… لكن التحدي في التفاصيل
الخبراء يؤكدون أن قطاع الكهرباء شهد تطورًا غير مسبوق في محطات الإنتاج وشبكات النقل، خاصة مع إنشاء شبكات الجهد الفائق 500 كيلوفولت، والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، إلا أن هذه الطفرات لم تُترجم بعد إلى إصلاح مؤسسي متكامل، قادر على تهيئة القطاع للتحول إلى سوق تنافسي حقيقي.
ورغم استهداف الدولة الوصول إلى 42% من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، يشير متخصصون إلى أن النسبة الحالية لا تزال بعيدة عن هذا الهدف، ما يتطلب تسريع وتيرة الإصلاح، وإعادة هيكلة شركة نقل الكهرباء، وتوفير بيئة أكثر مرونة لجذب الاستثمارات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، بدل الاعتماد فقط على الكيانات الكبرى.
تحرير سوق الكهرباء… خطوة مؤجلة
ورغم صدور قانون تنظيم الكهرباء عام 2015، والذي نص على تحرير سوق الطاقة وفصل أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع، إلا أن التطبيق العملي لا يزال بطيئًا، في ظل تشابكات مالية ضخمة بين وزارات الكهرباء والبترول والمالية، وارتفاع مديونيات القطاع إلى مئات المليارات من الجنيهات.
ويرى خبراء أن استمرار الدعم، وارتفاع تكلفة الوقود، وتذبذب سعر الصرف، كلها عوامل تعرقل الانتقال إلى سوق حر، وتضع عبئًا إضافيًا على الدولة، التي ما زالت تتحمل فارق التكلفة نيابة عن المواطن.
تغليظ عقوبات سرقة التيار… جدل واسع
الجدل الأكبر في الملف يدور حول مشروع تعديل قانون الكهرباء، الذي يتضمن تغليظ عقوبات سرقة التيار، لتصل إلى غرامات قد تبلغ مليون جنيه، فضلًا عن الحبس، وهو ما أثار اعتراضات واسعة، سواء داخل البرلمان أو بين المتخصصين.
ويؤكد معارضو التعديل أن مواجهة سرقة الكهرباء لا يجب أن تبدأ بالعقوبة، بل بإصلاح المنظومة، وتوفير حلول عملية للمواطنين غير القادرين على تقنين أوضاعهم، خاصة في المناطق التي تعاني من غياب البنية التحتية أو تعقيدات التوصيل.
المديونيات الحكومية… أولوية غائبة
في المقابل، يطرح الخبراء تساؤلًا مهمًا: لماذا لا تكون الأولوية لتحصيل المديونيات المستحقة لوزارة الكهرباء لدى الجهات الحكومية، والتي تقدر بمليارات الجنيهات، بدل تحميل المواطن أعباء إضافية؟
فحل أزمة التشابكات المالية، وتفعيل الحوكمة، ومنح الجهات التنفيذية صلاحيات أوسع لاتخاذ القرار، قد يكون الطريق الأقصر لإنقاذ القطاع دون صدام مجتمعي.
بين الإنجاز والواقع
يبقى ملف الكهرباء والطاقة في مصر نموذجًا لنجاحات كبرى على مستوى المشروعات، يقابلها تحدٍ حقيقي في الإدارة والتشريع والتطبيق. وبين دعمٍ متزايد، وعقوبات مغلظة، وتحرير مؤجل للسوق، يظل المواطن في قلب المعادلة، ينتظر حلولًا عادلة توازن بين حق الدولة وحق المجتمع.
لمشاهدة الحلقة كاملة
