الرحمة.. قيمة إنسانية مفقودة في زمن الصخب

في زمنٍ ازدحمت فيه القلوب بالصخب، وتباعدت الأرواح رغم قرب الأجساد، تبقى الرحمة هي الخيط الأخير الذي يرمم إنسانيتنا، والنَفَس الذي يلين القلوب المتعبة ويبدد قسوة الأرواح. ورغم أن العالم بات أسرع، والناس أكثر انشغالًا بهمومهم، إلا أن العطش الإنساني للرحمة والحنان يزداد يومًا بعد يوم.

في هذه الحلقة من برنامج “فاسألوا”، يستضيف الإعلامي أحمد أبو طالب فضيلة الدكتور خالد عبدالعال عميد كلية أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر بالمنوفية، لفتح ملف طال غيابه: أين ذهبت الرحمة من حياتنا؟ وكيف نستعيدها؟


الرحمة في الإسلام… خلق أصيل وسلوك يعيد للإنسان إنسانيته

يؤكد د. خالد عبدالعال أن الرحمة ليست مجرد شعور؛ بل خلق أصيل من أخلاق الإسلام، به يفيض الإنسان رقة وحنانًا وتواضعًا، ويكون سببًا لسعادته وسعادة من حوله.
ويشير إلى قول النبي ﷺ:

“الراحمون يرحمهم الرحمن… ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.

فالرحمة – كما يوضح – تنعكس على الطبع وعلى السلوك، ومن يتحلّى بها يعيش هادئًا مستقرًا، ويقيّض الله له من يرحمه، لأن الجزاء من جنس العمل.


هل الطيبة ضعف؟

يردّ د. عبدالعال بحزم:
الرحمة ليست ضعفًا، بل وعيٌ وعلوّ نفس.
ويستشهد بسيرة النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، الذين جمعوا بين الرحمة والقوة، فكانوا “رُحَماء بينهم” دون أن يُنقص ذلك من قوتهم وهيبتهم.


السوشيال ميديا… سلاح يهدم بالـ”كلمة”

ينبّه د. خالد إلى خطورة السوشيال ميديا عندما تتحول لسهام طعن في سمعة الناس وكرامتهم، كما يحدث في موجات السخرية والتنمر، ومنها ما حدث تجاه رجل ارتدى الجلباب في مكان عام.

ويقول:
“الكلمة قد تكسر خاطر إنسان… وقد تقتله معنويًا، وربما جسديًا.”

ويذكّر بقول النبي ﷺ لمعاذ:

“وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.”


غياب الستر… وظهور الفلسفة الزائفة

يعلّق د. عبدالعال على التسرع في الحكم وانتشار الفضائح والافتراءات:

“صرنا نكتب قبل أن نفكّر، وننشر قبل أن نتحقق… ونصّبنا أنفسنا قضاة على خلق الله.”

ويذكّر بأهمية الستر، وبقولهم:

“لا تكتب بخطّك إلا ما يسرك أن تراه يوم القيامة.”


الرحمة بالفقراء والمحتاجين… باب رزق وبركة

يشدد الدكتور على أن الرحمة بالفقراء ليست فضلًا، بل هي سبب للرزق والنصر، استنادًا لحديث النبي ﷺ:

“وهل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم.”

ويؤكد أن خدمة الضعفاء وكبار السن والأرامل والمساكين تعدل الجهاد في سبيل الله.


التنمر على الأطفال… جريمة في حق النفس والروح

ينبّه د. خالد إلى خطورة التنمر، خصوصًا تجاه الأطفال، إذ يؤدي لتحطيم نفسية الطفل وتدمير روحه.
ويستشهد بحديث النبي ﷺ:

“ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا.”

ويضرب أمثلة من سيرة النبي ﷺ مع الحسن والحسين وزاهر بن حرام، وكيف كان يجبر خواطرهم ويزرع فيهم الثقة والطمأنينة.


في أماكن العمل… هل يُنتزع الرزق بالقسوة؟

يرفض د. عبدالعال فكرة أن القوة أو الظلم يجلبان مكسبًا أو منصبًا:

“لا أحد يأخذ أكثر من رزقه… والظلم ضعف في الإيمان والعقيدة.”

ويؤكد أن اللين وحسن الخلق يجذبان القلوب ويصنعان الاحترام الحقيقي.


كيف نستعيد الرحمة في زمن القسوة؟

يختم د. خالد بأن استعادة الرحمة تبدأ من:

  • تربية النفس على الرفق واللين.

  • الوعي بخطورة الكلمة.

  • التعامل برحمة داخل البيوت والمدارس والعمل.

  • احترام الضعفاء وكبار السن.

  • تجنب التنمر والسخرية.

  • تقديم الأعذار والتمس العذر للآخرين.

الرحمة ليست مجرد خلق جميل… بل طوق نجاة في عالم يزداد سرعة وقسوة.
هي ما يجعل الحياة ممكنة، والعلاقات أدفأ، والقلوب ألين، والبيوت العامرة بالسكن، والمجتمعات أكثر أمنًا وإنسانية.

لمشاهدة الحلقة كاملة

Related posts

هل تكفي زيادة الحد الأدنى للأجور لمواجهة الغلاء؟ تساؤلات حول المعاشات والعدالة الاجتماعية في مصر

على أعتاب رمضان.. «أهل مصر» تصطحب المشاهدين في ليلة إيمانية بين القرآن والمدائح النبوية

محطة تحلية الكيلو 17 بالعريش.. شريان حياة يدعم التنمية ويؤمّن المياه لأهالي سيناء