تتجدد في هذه الأيام المباركة ذكرى العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي، أحد الأقطاب الأربعة وأحد أبرز رموز التصوف في مصر والعالم الإسلامي، الذي عُرف بعلمه الغزير وزهده وكراماته التي بقيت آثارها حية حتى اليوم.
ولد إبراهيم بن عبد العزيز أبو المجد الدسوقي في القرن السابع الهجري، ونشأ على حب القرآن الكريم، فحفظه في سن مبكرة، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، واعتاد الخلوة والعبادة منذ طفولته. وفي سن الثالثة والعشرين خرج من عزلته ليتفرغ لتربية تلاميذه، الذين لقبوه بـ”برهان الدين” و”بابا العينين” دلالة على جمعه بين علم الشريعة وعلم الحقيقة.
طريق العلم والتصوف
ارتبط الإمام الدسوقي بعلاقة روحية وعلمية قوية مع القطب الصوفي سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه، وتبادلا الرسائل والمكاتبات. وقد ذاع صيته في مصر وخارجها، حتى بلغ خبره السلطان الظاهر بيبرس الذي عيّنه شيخًا للإسلام تقديرًا لعلمه وتقواه، لكنه رفض الأجر المادي ووهب راتبه للفقراء والمحتاجين.
موقفه مع السلطان الأشرف خليل
ورغم مكانته الدينية الرفيعة، لم يتوانَ الإمام الدسوقي عن مواجهة الظلم، فكتب إلى السلطان الأشرف خليل بن قلاوون مطالبًا إياه بالرحمة بالرعية ورفع الضرائب الجائرة.
لكن الوشاة حاولوا الوقيعة بينه وبين السلطان، فاتهموه بأنه يسعى لانتزاع الملك. وعندما توجّه السلطان لمحاربته، وقعت الواقعة التي خلدها التاريخ؛ إذ خضع الأسد المرافق للسلطان وجلس بين يدي الدسوقي خضوع الابن لأبيه، فكانت كرامة ظاهرة دفعت السلطان للتوبة والاعتذار، وأمر ببناء زاوية بجوار خلوة الإمام في مدينة دسوق، حيث دُفن لاحقًا.
مكانته الروحية ودعوته للتسامح
يُعد سيدي إبراهيم الدسوقي من رموز التصوف السني الذي يقوم على أساس القرآن والسنة، وقد نادى دومًا بالرحمة والمحبة والتسليم لأمر الله.
ومن أقواله المشهورة:
“يا بُني، من ليس عنده رحمة للخلق لا يرقى مراتب أهل الله، وما دام لسان يذوق الحرام فلا تطمع أن تذوق شيئًا من الحكم والمعارف.”
كما شدد على أن طريق الولاية لا يُنال إلا بالصفاء والإخلاص، قائلاً:
“اجعل رأس مالك المحبة والتسليم، واعلم أن كل خير يصدر من الله، فليس لك في الأمر شيء إلا أن تعترف بالتقصير.”
احتفالات دسوق.. لقاء على المحبة والذكر
وفي كل عام، تتوافد الآلاف من الزائرين من مختلف المحافظات إلى مدينة دسوق للاحتفال بذكرى الإمام الدسوقي، في أجواء إيمانية تجمع بين الذكر والعلم وخدمة المحتاجين.
ويؤكد العلماء أن مثل هذه المناسبات تُعد فرصة لبث روح الوسطية ونشر قيم التسامح والمحبة بين الناس.