شهدت مصر مؤخرًا إطلاق المشروع القومي لضبط نهر النيل، في خطوة استراتيجية تهدف إلى استعادة القدرة الاستيعابية للمجرى المائي، ومنع تكرار الأزمات الناتجة عن ارتفاع منسوب المياه وغمر بعض الأراضي الزراعية الواقعة على ضفتي النهر في محافظات المنوفية والبحيرة.
ويأتي المشروع الجديد بعد تعرض عدد من القرى والمناطق للشلل التام خلال الفيضان الأخير، الذي وصفه خبراء بأنه “فيضان صناعي” ناجم عن سوء إدارة سد النهضة الإثيوبي، ما أدى إلى زيادة منسوب النيل وغمر مساحات واسعة من الأراضي.
وأكد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، أن المشروع القومي لضبط مياه النيل يستهدف “رفع كفاءة المجرى المائي للنهر وجوانبه وفروعه، وإنتاج خرائط رقمية دقيقة لقاع النهر”، باستخدام صور الأقمار الصناعية والتقنيات الرقمية الحديثة، بما يعزز قدرة الدولة على رصد التعديات ومواجهة الطوارئ المرتبطة بمواسم الفيضان.
وأشار الوزير إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطة شاملة تتبناها الدولة لحماية شريان الحياة في مصر، وضمان توفير الاحتياجات المائية للمنتفعين، بما يتماشى مع استراتيجية مصر 2030 للأمن المائي.
مشروع وطني لضبط التعديات وحماية نهر النيل
من جانبه، أوضح المهندس محمد غانم، المتحدث باسم وزارة الري، خلال مداخلة هاتفية في برنامج أهل مصر المذاع على قناة أزهري أن المشروع يتكامل مع جهود الوزارة في إزالة التعديات على مجرى نهر النيل وأراضي طرح النهر، حيث تنفذ الوزارة حاليًا الموجة الـ27 من حملات الإزالة بالتعاون مع أجهزة الدولة المختلفة.
وأشار إلى أن الوزارة تستخدم تقنيات حديثة لتوثيق جميع أشكال التعديات، سواء من منشآت أو زراعات مخالفة، مؤكدًا أن بعض المواطنين استغلوا أراضي طرح النهر في البناء أو الاستخدام الدائم، رغم أن القانون يسمح بالزراعة الموسمية فقط في هذه المناطق.
سد النهضة والفيضان الصناعي: تحذيرات من تكرار الأزمة
وفي سياق متصل، كشف الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن الفيضان الذي شهدته السودان مؤخرًا ناتج عن سوء إدارة تشغيل سد النهضة، بعد أن امتلأت بحيرة السد بالكامل، مما أجبر إثيوبيا على تمرير كميات هائلة من المياه تجاوزت 750 مليون متر مكعب يوميًا، وهو ما أدى إلى غرق مناطق واسعة في السودان وهدد بانهيار بعض السدود الترابية مثل سد الروصيرص.
وأضاف شراقي أن مصر تمكنت من استيعاب كميات المياه الإضافية بفضل السد العالي وبحيرة ناصر، اللذين يعملان كنظام حماية متكامل منذ عقود، مشيرًا إلى أن قناة مفيض توشكى ساهمت في تفريغ المياه الزائدة ومنع أي تأثير سلبي على السد العالي.
وشدد الخبير المائي على أن الأزمة الحالية تؤكد ضرورة العودة إلى الحوار والتعاون بين مصر والسودان وإثيوبيا، وفق المبادئ الدولية التي تضمن “عدم الإضرار بمصالح دول المصب”، مشيرًا إلى أن استمرار إثيوبيا في القرارات الأحادية سيؤدي إلى أزمات بيئية ومائية متكررة في المنطقة.
المشروع القومي لضبط النيل… رؤية استراتيجية للمستقبل
يمثل المشروع القومي الجديد امتدادًا لسياسات الدولة في إدارة الموارد المائية بشكل مستدام، إذ يهدف إلى:
-
ضبط المجرى الرئيسي للنيل وفروعه.
-
استخدام تقنيات حديثة في القياس والرصد.
-
إزالة التعديات واستعادة أراضي طرح النهر.
-
تعزيز جاهزية الدولة لمواجهة الفيضانات المستقبلية.
ويرى الخبراء أن المشروع الجديد يعكس رؤية مصر المتكاملة للأمن المائي في ظل التحديات الإقليمية، ويؤكد أن مصر قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص للتطوير والابتكار في إدارة الموارد الطبيعية.
لمشاهدة الحلقة كاملة