مع بداية عام 2026، يفتح الاقتصاد المصري صفحة جديدة بعد سنوات من الضغوط العالمية والإقليمية، شهد خلالها اختبارات قاسية بفعل جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات الجيوسياسية في المنطقة. وخلال عام 2025، بدأت مؤشرات التعافي تظهر بشكل أوضح، مدفوعة بإصلاحات نقدية ومالية، وتحسن نسبي في أداء القطاعات الاقتصادية الرئيسية.
2025… نقطة تحول في المسار الاقتصادي
أكد خبراء الاقتصاد أن عام 2025 يُعد «نقطة تحول» في مسار الاقتصاد المصري، حيث سجلت معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي تحسنًا ملحوظًا لتصل إلى نحو 4.4–4.5%، مقارنة بمعدلات ضعيفة بلغت 2.4% في العام المالي 2023/2024، وهو ما عكس عودة عجلة الإنتاج والاستثمار إلى الدوران التدريجي.
ويرى الخبراء أن هذا التحسن جاء نتيجة حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، أبرزها التحول إلى سياسة نقدية توسعية، وخفض أسعار الفائدة بنحو 7.25 نقطة مئوية خلال عام واحد، ما ساهم في تنشيط الائتمان، وتحفيز قطاع الأعمال، وزيادة الاستثمارات.
التضخم في مسار هبوطي
وعلى صعيد التضخم، أوضحت التقديرات أن متوسط التضخم السنوي في 2025 تراجع إلى نحو 14%، مقارنة بنحو 28% في العام السابق، في إشارة إلى بداية انفراجة تدريجية في الضغوط السعرية. ويتوقع خبراء أن يستمر هذا المسار الهبوطي خلال 2026، ليقترب التضخم من مستويات 10–11%، وهو ما قد يخفف العبء على المواطنين نسبيًا.
هل يشعر المواطن بثمار الإصلاح؟
رغم التحسن في المؤشرات الكلية، يؤكد الخبراء أن شعور المواطن بثمار الإصلاح الاقتصادي لا يحدث بشكل فوري. فالإصلاحات، خاصة تلك المرتبطة باتفاقات صندوق النقد الدولي، كان لها آثار قصيرة الأجل مؤلمة، تمثلت في ارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية.
ويشير الاقتصاديون إلى أن التحسن الحقيقي في مستوى المعيشة يتحقق عندما ينمو الدخل الحقيقي للأفراد بوتيرة أسرع من التضخم، وهو ما يُتوقع أن يبدأ بشكل أوضح خلال 2026، ولكن بشكل تدريجي وليس جذري.
2026… عام البناء على ما تحقق
يتوقع محللون أن يشهد عام 2026 نموًا اقتصاديًا يتراوح بين 5.5 و5.6%، مدفوعًا بزيادة الاستهلاك الخاص، وانتعاش الاستثمارات، وتحسن أداء الصادرات، مع استمرار الدولة في ترشيد الواردات وتقليص العجز التجاري.
كما يُنتظر أن تلعب قطاعات السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، وقناة السويس دورًا محوريًا في دعم ميزان المدفوعات، خاصة مع عودة الاستقرار النسبي لحركة التجارة العالمية.
الدين العام… التحدي الأكبر
رغم التحسن النسبي، يظل ملف الدين الخارجي أحد أبرز التحديات، إذ يقترب من 162 مليار دولار، إلا أن الخبراء يرون أن هيكل الدين أصبح أكثر أمانًا، مع امتداد آجاله، وتنوع أدواته التمويلية. وتسعى الحكومة إلى خفض نسبة الدين الخارجي إلى أقل من 40% من الناتج المحلي خلال السنوات المقبلة، مع تقليل أعباء خدمة الدين على الموازنة العامة.
الطروحات الحكومية واستعادة الثقة
يمثل برنامج الطروحات الحكومية أحد المفاتيح الرئيسية لتعزيز الثقة وجذب الاستثمارات الأجنبية، حيث تستهدف الحكومة جمع ما بين 5 و6 مليارات دولار خلال 2026، من خلال طرح شركات في قطاعات متنوعة، من بينها البنوك، والطاقة، والخدمات اللوجستية.
ويؤكد خبراء أن نجاح هذا الملف لا يكمن فقط في قيمة العوائد المالية، بل في كونه شهادة ثقة للاقتصاد المصري أمام المستثمرين الدوليين.
الجنيه المصري واستقرار سعر الصرف
فيما يتعلق بسعر الصرف، يتوقع محللون استقرار الجنيه المصري خلال 2026، بدعم من ارتفاع الاحتياطي النقدي إلى نحو 50 مليار دولار، وتحقيق صافي أصول أجنبية إيجابي لدى القطاع المصرفي، إلى جانب تراجع الضغوط العالمية على الدولار.
خريطة الاستثمار في ظل خفض الفائدة
مع استمرار خفض أسعار الفائدة، تتغير خريطة الاستثمار، حيث يرى خبراء أن البورصة وصناديق الاستثمار قد تستفيد بشكل كبير، إلى جانب أدوات الدين الحكومية وصناديق الذهب، التي باتت خيارًا مفضلًا للتحوط في ظل التوترات الجيوسياسية.
أما القطاع العقاري، فرغم مكانته التاريخية لدى المصريين، فقد يشهد حالة من التباطؤ أو الاستقرار السعري نتيجة زيادة المعروض، خاصة بعد موجة شراء استثمارية خلال السنوات الماضية.
يدخل الاقتصاد المصري عام 2026 بقاعدة أكثر صلابة مقارنة بالسنوات السابقة، مدعومًا بإصلاحات هيكلية، وتحسن في المؤشرات الكلية، مع بقاء التحدي الأهم في تحويل هذا التحسن إلى مكاسب ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لمشاهدة الحلقة كاملة
