الإسلام والجمال.. حين يحتفي الإيمان بالحضارة والإنسان

في لحظة فارقة من تاريخ مصر الإنساني، ومع افتتاح المتحف المصري الكبير، تعود إلى الواجهة قضية شائكة يثيرها البعض بين الحين والآخر: هل في الاحتفاء بالآثار والحضارات القديمة ما يتعارض مع التوحيد أو يمس العقيدة الإسلامية؟
سؤال يجيب عنه الأزهر ودار الإفتاء بوضوح: الإسلام دين الحضارة لا القطيعة، ودين الجمال لا الجمود.

منذ أن دخل سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه مصر، قدّم نموذجًا فريدًا في التعامل مع الإرث الإنساني، فلم يُهدم أثرًا ولم يُدنّس حضارة، بل أبقى على الشواهد لتبقى سجلًّا ناطقًا لتاريخ الإنسانية، وعنوانًا لحضارة امتدت جذورها في عمق الزمان.

يؤكد فضيلة الدكتور خالد عمران، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية من خلال برنامج “فاسألوا” المذاع على قناة أزهري الفضائية، أن الإسلام لا يحمل عداءً مع الفن أو الأثر، ما دام القلب موحدًا بالله والعقل متفكرًا في عظمة الخالق. فالله تعالى أمر بالتأمل والتفكر، فقال في كتابه العزيز: “سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق”. وهذه دعوة صريحة للتأمل في الكون والتاريخ وكل ما أبدعته يد الإنسان من عمران ومعرفة.

ويضيف الدكتور عمران أن المتحف المصري الكبير ليس معبدًا للأصنام كما يزعم المتشددون، بل مرآة لعبقرية الإنسان المصري القديم، الذي سبق العالم في الهندسة والفلك والطب والتنظيم المدني، وقدم للبشرية أولى بذور العلم والفكر.
إنها حضارة ما زالت ألغازها تدهش العلماء، ودروسها تلهم الأجيال، وهي في جوهرها شهادة على أن الإيمان والعلم لا يتعارضان، بل يتكاملان.

ويشير فضيلته إلى أن ما يُروّجه بعض دعاة التشدد من أفكار وهابية متطرفة عن “عبادة الأصنام” لا أصل له في الفهم الصحيح للدين، لأن الإسلام فرّق بين من يتوجه للتمثال بالعبادة، ومن يتأمله للتعلم والعبرة. فحين أمر الله نبيه سليمان عليه السلام ببناء التماثيل، ذكرها القرآن في سياق الإعمار لا العبادة:
“يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات”.

فالمقصد هو ما يحدد الحكم: إن كان التمثال يُعبد، فهو شرك، وإن كان يُدرس ويُتأمل، فهو علم ومعرفة.

ويرى الدكتور عمران أن مسؤولية المؤسسات الدينية اليوم – وفي مقدمتها دار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف – هي مواجهة هذا الفكر المتشدد بالوعي، لا بالجدال، وبالعلم لا بالصوت العالي. فالمعركة الحقيقية هي معركة وعي، تُخاض بالكلمة الصادقة والفكر المستنير الذي يربط الدين بالعلم والفن والحياة.

ويختم فضيلة الدكتور حديثه برسالة محبة وجمال:

“ما في كتاب على وجه الأرض ذكر الحب كما ذكره القرآن، ولا أظهر المحبة كما أظهرها رسول الله ﷺ. فالحب طاقة إيمانية، ومن عرف الحب والجمال عرف أن الحياة رسالة رحمة وسلام.”

الإسلام لا يناهض الجمال، ولا يقف ضد الحضارة، بل يحتفي بهما معًا.
فحين نقرأ التاريخ ونتأمل الأثر، نرى يد الله في خلقه، وعظمة الإنسان حين عمر الأرض بإيمان وإتقان.
ولذلك، فإن الاحتفاء بالمتحف المصري الكبير ليس مجرد احتفال بآثار الماضي، بل تجديد لعهد مصر مع الجمال والإيمان والإنسانية.

لمشاهدة الحلقة كاملة

Related posts

هل تكفي زيادة الحد الأدنى للأجور لمواجهة الغلاء؟ تساؤلات حول المعاشات والعدالة الاجتماعية في مصر

على أعتاب رمضان.. «أهل مصر» تصطحب المشاهدين في ليلة إيمانية بين القرآن والمدائح النبوية

محطة تحلية الكيلو 17 بالعريش.. شريان حياة يدعم التنمية ويؤمّن المياه لأهالي سيناء