من إرث الأجداد إلى مشروعات التنمية.. مزارعو سيناء يحولون ثمار النخيل إلى مصدر دخل وفرص عمل، ومركز بحوث الصحراء يدعم تطوير الإنتاج وتحسين جودة التمور والعجوة السيناوية
في قلب أرض الفيروز، لا تقتصر حكاية النخيل على كونه محصولًا زراعيًا موسميًا، بل تمتد لتجسد قصة تراث متوارث ومصدر رزق لآلاف الأسر، وركيزة واعدة لدعم التنمية الاقتصادية في شمال سيناء. فمع حلول موسم حصاد البلح، تتحول المزارع إلى ساحات للعمل والإنتاج، وتتضافر جهود المزارعين وأفراد الأسر السيناوية لجني الثمار وتصنيع العجوة، في مشهد يعكس ارتباط الإنسان بالأرض وحرصه على الحفاظ على مهن الأجداد.
ويحظى البلح السيناوي بمكانة خاصة بين المنتجات الزراعية المصرية، لما تتميز به أصنافه من مذاق حلو وجودة مميزة، فضلًا عن ارتباطه بالعادات الغذائية والاجتماعية لأهالي سيناء. ومع تزايد الاهتمام بتطوير القطاع الزراعي وتحسين أساليب الإنتاج والتعبئة والتغليف، تبرز فرص واعدة لتعزيز القيمة الاقتصادية للتمور السيناوية، وفتح أسواق جديدة أمامها، بما يدعم دخول المزارعين ويعزز مساهمة شمال سيناء في الاقتصاد الوطني.
مزارع النخيل.. إرث الأجداد واستثمار للأجيال الجديدة
داخل إحدى مزارع بئر العبد بمحافظة شمال سيناء، يروي المزارع محمد إسماعيل سلمان من خلال برنامج “ساعة من سيناء” المذاع على قناة أزهري الفضائية والذي تقدمة الأستاذه صفاء صابرحكاية ارتباط أسرته بزراعة النخيل، موضحًا أن المهنة انتقلت إليه من الأجيال السابقة، بعدما ورثت أسرته عددًا من النخيل عن أجداده، ليواصل مع والده العمل على رعايته وزيادة أعداده وتوسيع المزرعة.
ويؤكد سلمان أن زراعة النخيل لا تقتصر على توفير محصول موسمي، بل تمثل استثمارًا طويل الأجل يمكن أن تستفيد منه الأجيال القادمة، إذ يواصل الأبناء تعلم أسرار المهنة ومراحل الزراعة والرعاية والحصاد، بما يضمن استمرار هذا النشاط الزراعي الذي يشكل جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع السيناوي.
وتبدأ دورة العمل في المزرعة بعمليات زراعة الفسائل والعناية بالنخيل، مرورًا بالتلقيح ومتابعة نمو الثمار، ثم تدليتها وتنظيف النخيل وتجهيز السباطات، وصولًا إلى جني البلح وفرزه وتصنيعه. وتتطلب هذه المراحل خبرة عملية متوارثة، إلى جانب الاهتمام بالنظافة وجودة الثمار، لضمان الحصول على منتج صالح للتداول والتخزين والتصنيع.
وتتنوع أصناف النخيل المزروعة في المنطقة، ومن بينها العامري والحياني والكبوشي، إلى جانب أصناف أخرى تختلف خصائصها واستخداماتها وفقًا لطبيعة الثمار ودرجة نضجها.
من الحصاد إلى العجوة.. مراحل صناعة المنتج السيناوي
تمثل صناعة العجوة إحدى أهم حلقات القيمة المضافة للبلح السيناوي، إذ تتيح للمزارعين تحويل الثمار إلى منتج يمكن الاحتفاظ به وتسويقه على مدار فترات أطول، بدلًا من الاقتصار على بيع البلح الطازج خلال موسم الحصاد.
ويشرح المزارعون أن عملية التصنيع تبدأ بفرز الثمار واستبعاد التالف منها، ثم تجهيز البلح الناضج وتقشيره وإزالة النوى، قبل فرده على أسطح نظيفة وتركه للمعالجة والتجفيف وفقًا للطرق المتبعة محليًا. وتُجرى بعد ذلك عمليات العجن والتشكيل والتجهيز، وصولًا إلى المنتج النهائي الذي يمكن تعبئته وتسويقه.
وتتطلب صناعة العجوة عناية خاصة بنظافة أماكن العمل والأدوات المستخدمة، إلى جانب استبعاد الثمار الفاسدة أو غير المطابقة للجودة، لأن وجود ثمار تالفة قد يؤثر في جودة المنتج النهائي وقدرته على الاحتفاظ بخصائصه.
كما يؤكد المنتجون أهمية تحسين أساليب التعبئة والتغليف للحفاظ على جودة العجوة، وتقديمها في صورة أكثر ملاءمة للمستهلكين والأسواق التجارية، بما يرفع قيمتها التسويقية ويمنح الأسر المنتجة فرصًا أفضل لزيادة العائد من محصولها.
موسم البلح.. فرص عمل وسيولة مالية للأسر السيناوية
لا تتوقف أهمية موسم حصاد البلح عند حدود الإنتاج الزراعي، بل تمتد إلى تنشيط الحركة الاقتصادية داخل القرى والتجمعات السيناوية، من خلال توفير فرص عمل موسمية في هز النخيل وجمع الثمار وفرزها ونقلها وتصنيعها.
ويوضح المزارع محمد إسماعيل سلمان أن عمليات حصاد النخيل توفر مصدر دخل للعاملين، إذ تختلف أجور العمل وفقًا لطبيعة المهمة وطريقة تنفيذها، مشيرًا إلى أن بعض العمال يمكنهم زيادة دخلهم من خلال العمل في عدد أكبر من النخيل خلال اليوم.
كما يمثل الموسم فرصة لتشغيل أفراد الأسرة، وتشارك النساء في فرز الثمار وإعداد العجوة وتجهيزها وتغليفها، بينما يساهم الأبناء في أعمال الحصاد والتصنيع تحت إشراف الآباء، في صورة تعكس تكامل الأدوار داخل الأسرة السيناوية.
ويشير المزارعون إلى أن موسم البلح، بالتزامن مع موسم الزيتون، يوفر سيولة مالية مهمة للأسر، تساعدها على تلبية احتياجاتها المعيشية والاستعداد للالتزامات السنوية، بما في ذلك تجهيز الأبناء للزواج وتوفير مستلزمات الأسرة.
ويمتد الأثر الاقتصادي للنخيل إلى ما بعد بيع الثمار؛ إذ يمكن الاستفادة من الجريد ومخلفات التقليم في استخدامات متعددة، ما يعزز مفهوم الاستفادة من مختلف مكونات النخلة.
المرأة السيناوية.. شريك أساسي في إنتاج العجوة
تؤدي المرأة السيناوية دورًا محوريًا في موسم حصاد البلح، سواء في أعمال الفرز والتجهيز أو في تصنيع العجوة وتشكيلها وتعبئتها، لتصبح شريكًا أساسيًا في تحويل المحصول الزراعي إلى منتج نهائي ذي قيمة اقتصادية أعلى.
وتوضح الحاجة سليمة، إحدى السيدات العاملات في هذا المجال، أن العمل يبدأ بفرز الثمار واختيار الجيد منها، ثم تجهيزها وعجنها وتشكيلها، مع متابعة مراحل التصنيع والتجفيف وفقًا للطريقة المستخدمة، قبل تقطيع العجوة وإضافة بعض المكونات، مثل السمسم، بحسب نوع المنتج.
وتؤكد أن جودة العجوة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنظافة الخامات ومكان التصنيع، والحرص على استبعاد الثمار التالفة، مشيرة إلى أن المنتج الجيد يمكن أن يحقق سعرًا أعلى من المنتجات الأقل جودة، وهو ما يجعل الاهتمام بالتفاصيل عاملًا مهمًا في نجاح الأسر المنتجة.
ولا يقتصر دور المرأة على تنفيذ مراحل التصنيع، بل يمتد إلى نقل الخبرات للأبناء والبنات، وتعليمهم مهارات الفرز والتجهيز والتعامل مع الثمار، بما يساعد على استمرار الحرفة وتوسيع قاعدة المستفيدين منها.
كما تسهم المشاركة الجماعية بين النساء والأسر في تخفيف أعباء العمل خلال الموسم، إذ تتبادل العائلات المساعدة في أيام الحصاد والتصنيع، في تقليد اجتماعي يعزز الترابط والتعاون بين أبناء المجتمع السيناوي.
النخيل في شمال سيناء.. أصناف متنوعة ومذاق مميز
من جانبه، أكد الدكتور محمد بلال، رئيس محطة بحوث الصحراء بشمال سيناء، أن النخيل يمثل أحد أبرز مكونات النشاط الزراعي بالمحافظة، إلى جانب الزيتون، مشيرًا إلى أن تنوع الظروف المناخية والبيئية في شبه جزيرة سيناء يتيح زراعة أصناف مختلفة من البلح والتمور.
وأوضح أن من أبرز الأصناف المزروعة في شمال سيناء الحياني والزغلول والسماني، ولكل منها خصائصه واستخداماته؛ فالحياني يرتبط بإنتاج العجوة، بينما يُستهلك الزغلول غالبًا في صورته الحمراء، ويتميز السماني بثماره الصفراء التي تحظى بإقبال المستهلكين.
وأشار إلى أن طبيعة البيئة السيناوية، بما تتسم به بعض مناطقها من الجفاف والاعتماد على المياه الجوفية، تؤثر في خصائص الثمار، وقد تسهم في ارتفاع تركيز السكريات ومذاق الحلاوة في بعض الأصناف، وهو ما يمنح البلح السيناوي سمات مميزة في الأسواق.
وشدد على أهمية التمييز بين الأصناف المحلية والأصناف الأخرى المتداولة تجاريًا، موضحًا أن بعض الأصناف السيناوية الصفراء قد تتشابه في مظهرها مع البلح البرحي، لكن التشابه في الشكل لا يعني بالضرورة تطابق الصنف أو خصائصه.
وتبرز هذه الميزة أهمية التعريف بالأصناف المحلية وتسويقها بأسمائها الصحيحة، بما يدعم سمعة المنتج السيناوي ويحافظ على حقوق المزارعين والمستهلكين.
مركز بحوث الصحراء يدعم تطوير زراعة النخيل
في إطار جهود تطوير الإنتاج الزراعي بشمال سيناء، يعمل مركز بحوث الصحراء على دعم المزارعين بالإرشادات الفنية التي تساعد على تحسين رعاية النخيل، ورفع كفاءة الإنتاج، والحد من الآفات التي تهدد الأشجار والمحصول.
وأكد الدكتور محمد بلال أهمية الاستفادة من التقنيات الزراعية الحديثة، حتى وإن كانت بسيطة، في عمليات الحصاد وخدمة النخيل ومكافحة الآفات، موضحًا أن تحسين طرق التعامل مع الأشجار بعد انتهاء الموسم يساعد على الحفاظ على صحتها وتهيئتها لإنتاج أفضل في الموسم التالي.
وأشار إلى توجهات لتطوير إنتاج النخيل من خلال إنشاء بنك للجينات يضم معملًا لزراعة الأنسجة، بما يدعم توفير شتلات النخيل ويساعد على تحسين فرص إكثاره وإنتاجه على مدار العام، وفقًا لما يجري العمل عليه بالمحطة.
كما أوضح أن هناك توجهًا لإعادة إحياء ثروة النخيل في شمال سيناء، خاصة في المناطق التي تراجعت فيها أعداد الأشجار خلال السنوات الماضية، بما يسهم في استعادة النشاط الزراعي وتعزيز مصادر الدخل للمزارعين.
وشدد على أن الحفاظ على النخيل وزيادة أعداده وتحسين رعايته يمثلان خطوة مهمة لدعم التنمية الزراعية، مؤكدًا أن النخيل والبلح يمكن أن يشكلا ركيزة اقتصادية رئيسية للمزارع السيناوي إذا توافرت لهما الرعاية المناسبة وأساليب التسويق الفعالة.
تحسين جودة العجوة والتغليف.. خطوة نحو التوسع في الأسواق
يمثل تطوير عمليات التصنيع والتعبئة والتغليف أحد أهم المسارات لتعزيز القيمة الاقتصادية للبلح السيناوي، خاصة مع إمكانية تحويل جزء من المحصول إلى منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة أعلى.
وأوضح رئيس محطة بحوث الصحراء بشمال سيناء أن تحسين جودة العجوة يتطلب الابتعاد عن الممارسات التقليدية التي قد تؤدي إلى تلوث المنتج بالرمال أو الحشرات، مع الاهتمام بالنظافة واختيار الثمار المناسبة، وتطوير أساليب التصنيع والتعبئة.
وأشار إلى أن المحطة تعمل على تقديم نموذج لمنتجات سيناوية مغلفة بصورة جيدة، مع إتاحة معلومات عن المنتج من خلال رمز الاستجابة السريعة (QR Code)، بما يساعد المستهلك على التعرف على خصائص المنتج وفوائده وإرشادات تصنيعه.
وتمثل هذه الخطوات مدخلًا مهمًا لرفع القدرة التنافسية للتمور والعجوة السيناوية، إذ لا تعتمد المنافسة في الأسواق على جودة الثمار وحدها، بل تشمل أيضًا سلامة المنتج، وشكل العبوة، ووضوح البيانات، والقدرة على الحفاظ على الجودة خلال النقل والتخزين.
ومن شأن تطوير هذه الجوانب أن يفتح المجال أمام الأسر المنتجة والمشروعات الصغيرة لتوسيع نطاق التسويق، والوصول إلى منافذ بيع جديدة، والاستعداد للاستفادة من فرص التصدير، مع ضرورة استيفاء متطلبات الجودة وسلامة الغذاء والمعايير المعمول بها في الأسواق المستهدفة.
إرشادات للمستهلكين.. كيف تختار البلح والعجوة الجيدة؟
ينصح المنتجون بالاهتمام بمظهر البلح ورائحته وسلامة ثماره عند الشراء، مع التأكد من خلوه من علامات التلف أو العفن، واختيار المنتجات التي جرى تداولها وتعبئتها في ظروف نظيفة.
أما عند شراء العجوة، فمن المهم فحص المنتج والتأكد من سلامة العبوة وخلو المحتوى من الشوائب أو علامات الفساد، مع الانتباه إلى أن اللون والقوام والرائحة تختلف باختلاف الصنف وطريقة التصنيع والتخزين، ولا يكفي الاعتماد على علامة واحدة للحكم على الجودة.
وبالنسبة إلى تخزين البلح، ينبغي التمييز بين الثمار الطازجة والرطبة والتمور الأكثر جفافًا، واختيار ظروف التخزين المناسبة لكل نوع، مع مراعاة درجة الحرارة والرطوبة ونظافة العبوات. كما يُفضل اتباع الإرشادات الصحية الخاصة بالمنتج، وعدم الاعتماد على مدة تخزين ثابتة لجميع الأنواع.
وتساعد هذه الممارسات على الحفاظ على جودة البلح وتقليل الفاقد، سواء لدى الأسر التي تخزنه للاستهلاك المنزلي أو لدى المنتجين الذين يسعون إلى تسويقه على مدار العام.
البلح السيناوي.. فرصة لتعزيز التنمية الاقتصادية في أرض الفيروز
تكشف تجربة مزارعي شمال سيناء أن النخيل ليس مجرد أشجار تنتج البلح خلال موسم محدد، بل منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ من زراعة الفسائل ورعاية الأشجار، وتمر بالحصاد والفرز والتصنيع، وتنتهي بالتعبئة والتسويق.
وتبرز أهمية هذه المنظومة في قدرتها على توفير فرص العمل، وتعزيز دخل الأسر، والحفاظ على الحرف التقليدية، ونقل الخبرات الزراعية من جيل إلى آخر، فضلًا عن إتاحة فرص أوسع أمام المشروعات الصغيرة والمنتجات المحلية.
ومع استمرار جهود تطوير زراعة النخيل، وتطبيق الممارسات الزراعية السليمة، وتحسين جودة العجوة والتغليف، يمكن للبلح السيناوي أن يعزز حضوره في الأسواق المصرية، وأن يفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمار الزراعي والتوسع في التسويق والتصدير.
وفي أرض الفيروز، تظل كل نخلة شاهدًا على علاقة متجذرة بين الإنسان والأرض، فيما تمثل كل ثمرة فرصة جديدة للعمل والإنتاج. وبين أصالة الموروث الزراعي ومتطلبات التنمية الحديثة، يواصل البلح السيناوي كتابة فصل جديد من حكاية الخير في شمال سيناء، باعتباره أحد المنتجات الواعدة القادرة على تحويل ثروات الصحراء إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
ساعة من سيناء.. حكاية أرض تنتج الخير، وأيدٍ تعمل، وتراث يتحول إلى فرصة للتنمية والاستثمار.
لمشاهدة الحلقة كاملة