لم يكن رحيل الكاتب الصحفي الكبير مسعد بدوي مجرد غياب لصحفي أمضى سنوات طويلة في بلاط صاحبة الجلالة، بل كان فقدانًا لقامة إعلامية وإنسانية تركت بصمة ممتدة في ذاكرة شمال سيناء، بعدما جعل من الصحافة رسالة ومسؤولية وطنية، ومن الكلمة أمانة لا تقبل التهاون.
وعلى مدار نحو خمسة عقود من العمل الصحفي والإعلامي، ارتبط اسم الراحل بسيناء وأحداثها، حيث كان حاضرًا في الميدان، لا سيما من خلال عمله بالمركز الصحفي بمنفذ رفح البري، الذي مثّل نافذة مهمة لنقل الأحداث ومتابعة حركة الوفود والتغطيات الصحفية المصرية والعربية والدولية.
وفي حلقة خاصة من برنامج «ساعة من سيناء» الذي تقدمة الاعلامية صفاء صابر والمذاع على قناة أزهري، جاءت بمثابة رد للجميل وتوثيق لمسيرة الراحل، استعاد عدد من زملائه وتلاميذه محطات من حياته المهنية، مؤكدين أنه كان نموذجًا للصحفي الدقيق، الذي لا ينشر معلومة قبل التحقق منها من مصادر متعددة، مؤمنًا بأن مصداقية الخبر أهم من سرعة نشره أو كثرة ما يُنشر.
واستعرض الأستاذ عبد الفتاح الإمام، مدير إدارة الإعلام بشمال سيناء، جانبًا من مسيرة الراحل، مشيرًا إلى أنه كان شخصية مهنية وإنسانية متميزة، لا يبخل على زملائه بالمعلومة أو النصيحة، وترك أثرًا واضحًا لدى الصحفيين والإعلاميين، باعتباره معلمًا وأستاذًا وزميلًا وأخًا للجميع.
كما تحدث زميله عادل معوض عن سنوات العمل التي جمعتهما داخل منفذ رفح البري، مؤكدًا أن مسعد بدوي كان شديد الحرص على متابعة الأحداث بنفسه، حتى في أصعب الظروف، وأنه كان يقدم المعلومة بدقة وأمانة، ويساند المراسلين والوفود الصحفية، دون انتظار مقابل، انطلاقًا من إيمانه برسالة العمل الوطني.
ومن جانبه، استعاد الكاتب الصحفي صالح العلاقي، مدير مكتب الأخبار بشمال سيناء، محطات من رحلته المهنية والإنسانية مع الراحل، مؤكدًا أنه لم يكن مجرد زميل عمل، بل أستاذًا علّم أجيالًا من الصحفيين أصول المهنة وأخلاقياتها، وكان حريصًا على احترام خصوصية المجتمع السيناوي، ودقة الأسماء والأرقام والتفاصيل قبل النشر.
وكشف العلامي عن جانب مهم من شخصية الراحل، تمثل في حرصه الشديد على الاحتفاظ بقصاصات الصحف والصور والمستندات والأدوات الصحفية القديمة، باعتبارها ذاكرة توثق مراحل من تاريخ العمل الإعلامي في سيناء.
ولم تقتصر الشهادات على زملاء المهنة، بل امتدت إلى الجانب الإنساني والعائلي، حيث أكدت ابنته مها مسعد بدوي أن والدها لم يترك لأسرته ثروة مادية، لكنه أورثهم ما هو أغلى: السيرة الطيبة، والكرامة، ونظافة اليد، وعزة النفس، مشيرة إلى أنه كان يرفض استغلال علاقاته المهنية في تحقيق مصالح شخصية، ويؤمن بأن الرزق لا يأتي بالوساطة، وإنما بما يقدره الله.
رحل مسعد بدوي، لكن سيرته بقيت شاهدًا على أن قيمة الصحفي لا تُقاس بعدد ما ينشره، وإنما بصدق ما يكتبه، وأثر ما يتركه في الناس.
فقد غاب صاحب القلم، وبقيت حكاياته في ذاكرة زملائه وتلاميذه وأبناء سيناء، لتظل تجربته درسًا للأجيال الجديدة بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة، وأن التاريخ الحقيقي يُكتب بالمواقف والمصداقية والإخلاص.
لمشاهدة الحلقة كاملة