من شباك الصيد وعشش جريد النخيل إلى حركة تجارية تمتد من الصيادين إلى التجار والمطاعم.. موسم السمان في سيناء ليس مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل حكاية إنسان ارتبط بأرضه وبحره، وموروث شعبي يجمع العائلات والأصدقاء، ونافذة رزق موسمية تسهم في تنشيط الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالمحافظة.
على أرض الفيروز، حيث تمتزج الطبيعة الخلابة بخصوصية التراث السيناوي، يتجدد كل عام موسم انتظار الطيور المهاجرة، وعلى رأسها السمان، الذي يمثل بالنسبة إلى كثير من أبناء شمال سيناء أكثر من مجرد طائر موسمي؛ فهو مصدر دخل لعائلات، وحرفة توارثتها الأجيال، وموعد سنوي لاستعادة ذكريات الماضي وتجديد الروابط الأسرية والاجتماعية.
وخلال جولة لبرنامج «ساعة من سيناء» على قناة أزهري، رصدت الإعلامية صفاء صابر أجواء موسم السمان في عدد من مناطق شمال سيناء، والتقت بصيادين وتجار وأهالي ارتبطت حياتهم بهذه الحرفة، لتكشف تفاصيل الاستعداد للموسم، وطرق الصيد قديمًا وحديثًا، وحجم الحركة الاقتصادية المصاحبة له، إلى جانب حكايات إنسانية وتاريخية ظلت حاضرة في ذاكرة أبناء المنطقة.
موسم السمان.. موعد سنوي ينتظره أبناء سيناء
أكد عماد الهرش، أحد أبناء شمال سيناء العاملين في موسم صيد السمان، أن الموسم يبدأ عادة في الأول من سبتمبر ويستمر حتى منتصف نوفمبر، موضحًا أن لكل نوع من الطيور المهاجرة توقيتًا خاصًا، وأن حركة الطيور تتأثر بالظروف الجوية والرياح والتغيرات المناخية.
وأشار إلى أن الصيادين يستعدون للموسم وفقًا لإمكاناتهم، فمنهم من يجهز خيامًا أو أماكن إقامة بسيطة، بينما يفضل آخرون إقامة عشش من جريد النخيل والبوص، بما يتناسب مع طبيعة البيئة المحيطة.
وأوضح أن العشش المصنوعة من الجريد توفر تهوية طبيعية، وتساعد على مواجهة حرارة الشمس بصورة أفضل من بعض الخيام المغطاة بالقماش أو المواد الأخرى، فضلًا عن ارتباطها بالطابع التقليدي للحياة في مناطق الصيد.
ولفت إلى أن وجود الأشجار والنخيل والتجمعات النباتية قد يسهم في جذب الطيور وتوفير أماكن للراحة، بينما تختلف حصيلة الصيد من يوم إلى آخر وفقًا لحركة الهجرة والظروف الطبيعية وموقع الصياد.
من الهواية إلى مصدر رزق.. دورة اقتصادية تبدأ من الصياد
لا تتوقف أهمية موسم السمان عند حدود الصيد، بل تمتد إلى سلسلة من الأنشطة التجارية التي توفر فرص دخل لشرائح متعددة من المجتمع المحلي.
وأوضح الهرش أن بعض الصيادين يحصلون في بداية الموسم على مستلزمات العمل من التجار بنظام السلفة، مثل الشباك والأجهزة والبطاريات والأدوات اللازمة لتجهيز مواقع الصيد، ثم يسددون ما عليهم من خلال حصيلة الموسم.
ومع بدء الصيد، يتولى التجار جمع الطيور من الصيادين، ثم نقلها وبيعها إلى محال البيع والمطاعم، بما يخلق دورة اقتصادية يستفيد منها الصياد والتاجر والعاملون في النقل والتجهيز والتوزيع.
كما تمتد حركة النشاط إلى تجار الشباك والأخشاب والأدوات المستخدمة في تجهيز مواقع الصيد، وهو ما يجعل الموسم مصدرًا للرزق المباشر وغير المباشر، حتى بالنسبة إلى أشخاص لا يمارسون الصيد بأنفسهم.
وفي السياق نفسه، تحدث سعدي، أحد العاملين في تجارة الطيور، عن جولاته اليومية بين مناطق شمال سيناء لجمع حصيلة الصيد من الأهالي، مشيرًا إلى أن عمله يبدأ في الصباح ويتواصل على فترات حتى المساء، ويشمل عددًا من القرى والمناطق، من بينها قرى النجاح والكفاح والتعاون ومناطق في محيط بئر العبد.
وأوضح أن التاجر لا يقتصر دوره على شراء الطيور، بل قد يوفر بعض الاحتياجات للصيادين أثناء الموسم، مثل المياه والمواد الغذائية، في صورة من التعاملات التي تربط أطراف النشاط ببعضها.
وأضاف أن موسم السمان يجمع بين الهواية والتجارة؛ فهناك من يمارسه حبًا في الصيد والطبيعة، وهناك من يعتمد عليه بوصفه مصدر دخل يساعده على تلبية احتياجات أسرته.
أسعار السمان.. تتغير بحسب حجم المعروض
وتطرق البرنامج إلى أسعار السمان في الأسواق خلال الموسم، حيث أوضح محمود رحيل، أحد المشترين القادمين من الإسماعيلية، أن الأسعار تتفاوت وفقًا لمرحلة الموسم وحجم المعروض من الطيور.
وأشار إلى أن الأسعار تكون أعلى عادة في بداية الموسم، عندما تقل الكميات المتاحة، ثم قد تتراجع مع زيادة المعروض. وذكر أن سعر الزوج في الفترة التي تناولها اللقاء تراوح حول 50 جنيهًا، بينما قد يصل في بداية الموسم إلى نحو 100 جنيه، وينخفض في بعض الفترات إلى مستويات تتراوح بين 40 و60 جنيهًا، وفقًا للحجم وحالة السوق.
وتعكس هذه التغيرات طبيعة السوق الموسمية التي تتأثر بحركة الطيور وكميات الصيد والطلب، فيما يقبل على الشراء أبناء المنطقة وزوار قادمون من محافظات أخرى، يحرص بعضهم على اقتناء السمان خلال فترة وجوده في الأسواق.
وأكد رحيل أن موسم السمان يمثل مصدر دخل لعدد من الأطراف، بداية من الصيادين، مرورًا بتجار الجملة والتجزئة، وصولًا إلى منافذ البيع والمستهلكين.
من عصا الصيد إلى الأجهزة الحديثة.. كيف تغيرت الحرفة؟
استعاد خالد الهرش، أحد أبناء المنطقة، مراحل تطور صيد السمان، موضحًا أن الحرفة بدأت في الماضي بصورة بسيطة، عندما كان الصيد يمارس في إطار الهواية والتجمعات الشبابية، باستخدام أدوات بدائية، قبل أن تتطور الوسائل وتدخل التجارة بصورة أكبر.
وأشار إلى أن أبناء الأجيال السابقة كانوا يستيقظون مع الفجر ويتجمعون للصيد، ثم تطورت الأدوات المستخدمة مع مرور الوقت، وظهرت وسائل مختلفة للشباك ومستلزمات تجهيزها، إلى جانب الأجهزة التي تشغل أصوات الطيور.
وأوضح أن هذا التطور لم يقتصر على أدوات الصيد، بل شمل أيضًا طبيعة الإقامة والوصول إلى مواقع الموسم؛ فبعد أن كانت الرحلات قديمًا تتطلب مشقة في الانتقال، أصبحت الطرق ووسائل النقل أكثر سهولة في الوصول إلى بعض المواقع.
كما أشار إلى أن النشاط أوجد فرصًا إضافية لأصحاب الأعمال المرتبطة بالأدوات والخامات، ومنها تجارة الأخشاب والشباك والأجهزة والبطاريات، بما يعزز امتداد الأثر الاقتصادي للموسم إلى أنشطة أخرى.
وبينما تغيرت الوسائل، لا يزال ارتباط كثير من أبناء سيناء بالصيد قائمًا، سواء بوصفه مهنة ومصدر دخل أو هواية تستعيد ذكريات الطفولة والحياة البسيطة في أحضان الطبيعة.
عشش الجريد ولمّة الأحباب.. تراث يتجاوز حدود الصيد
بعيدًا عن الجانب الاقتصادي، يحمل موسم السمان قيمة اجتماعية وثقافية خاصة لدى أبناء سيناء؛ إذ يتحول إلى مناسبة سنوية يلتقي خلالها الأقارب والأصدقاء، ويصطحب بعضهم أبناءه لتعريفهم بالعادات التي نشأ عليها الآباء والأجداد.
وتحدثت الحاجة أم عماد عن ارتباطها بالموسم منذ سنوات طويلة، مستعيدة ذكريات الرحلات القديمة إلى مواقع الصيد، عندما كانت وسائل الانتقال أكثر صعوبة، وكانت بعض الرحلات تعتمد على الجمال والمراكب للوصول إلى المناطق القريبة من البحيرة والساحل.
وأوضحت أن الأوضاع تغيرت مع تطور الطرق ووسائل النقل، لكن فرحة الموسم لم تتغير، مشيرة إلى أن العائلات لا تزال تنتظر هذه الأيام من عام إلى آخر، وتستقبل خلالها الأقارب والأصدقاء القادمين من القاهرة والإسكندرية ومحافظات أخرى لقضاء وقت وسط الطبيعة.
وأضافت أن الإقامة في العشش البسيطة، والاستمتاع بالهواء الطلق ومشاهدة القمر والنجوم بعيدًا عن صخب الحياة اليومية، تمنحها شعورًا خاصًا، حتى مع توافر وسائل الراحة الحديثة في المنازل.
وتؤكد هذه الشهادات أن الموسم لا يقتصر على الطيور أو التجارة، بل يمثل مساحة لاستعادة الذاكرة الجماعية، وتعزيز العلاقات بين العائلات، ونقل تفاصيل الحياة التقليدية إلى الأجيال الجديدة.
رحلات عائلية ومطبخ سيناوي.. تجربة تجمع الطبيعة والتراث
ولا يقتصر الحضور في مواقع الصيد على المحترفين، إذ يشارك بعض الزوار والأسر في رحلات تجمع بين التنزه ومشاهدة الطيور والاستمتاع بالطبيعة.
وخلال اللقاء، تحدث عماد اليماني عن حرصه على زيارة مواقع الصيد برفقة أسرته وأصدقائه، معتبرًا أن هذه الرحلات تمثل فرصة للابتعاد عن ضغوط العمل وضوضاء المدن، واستعادة أجواء الحياة البسيطة.
وأشار إلى أن التجربة تشمل كذلك إعداد الأطعمة التقليدية، حيث يجتمع الحاضرون حول وجبات تُجهز في الهواء الطلق، ومن بينها طرق محلية لإعداد السمان باستخدام الجمر والحطب، إلى جانب أطباق أخرى من المطبخ السيناوي.
كما أوضحت ابنته لارا أنها تستمتع برحلات الصيد والمناظر الطبيعية، وأن مشاهدة الطيور وتجربة أجواء الموسم تمنحها معرفة مباشرة بتراث تسمع عنه من الكبار، مؤكدة رغبتها في تكرار التجربة.
ويعكس هذا التفاعل بين الأجيال جانبًا مهمًا من استمرارية التراث؛ إذ لا يظل مجرد حكايات يرويها الآباء، بل يتحول إلى تجربة معيشة يتعرف من خلالها الأبناء إلى بيئتهم وعادات مجتمعهم.
السمان في ذاكرة سيناء.. حكايات من زمن مختلف
حملت ذكريات خالد الهرش جانبًا إنسانيًا آخر، إذ استعاد رحلة صيد جمعته بعماد الهرش في فترة كانت فيها الظروف صعبة وحركة الطيور محدودة، قبل أن يشهدا يومين استثنائيين من وفرة الرزق، تمكنا خلالهما من جمع كميات كبيرة من السمان، إلى جانب صيد الأسماك.
وأشار إلى أن ما بقي في ذاكرته من تلك الرحلة لم يكن حجم الصيد وحده، بل الرفقة الطيبة والتعاون والفرحة المشتركة، معتبرًا أن بعض الأيام تظل حاضرة في الوجدان مهما مر الزمن.
وتكشف هذه الحكايات عن جانب يتجاوز حسابات الربح والخسارة؛ فالموسم بالنسبة إلى كثير من أبناء المنطقة مرتبط بذكريات الطفولة والصداقة والأسرة، وبالإحساس بالانتماء إلى مكان تتجدد فيه اللقاءات كل عام.
من موسم الصيد إلى صفحات التاريخ الوطني
ومن أبرز المحطات التي تناولها البرنامج، ما روته الحاجة أم عماد عن ذكريات فترة عام 1967، حين ارتبطت حياة الأهالي في مناطق سيناء بظروف استثنائية خلال الاحتلال الإسرائيلي.
وتحدثت عن مشاركة أبناء المنطقة، ومن بينهم أطفال وشباب في ذلك الوقت، في ملاحظة التحركات التي يشاهدونها وإيصال المعلومات إلى الأهالي، في سياق الجهود التي ارتبطت بالمقاومة والعمل الوطني في سيناء.
كما استحضرت اسم الشيخ سالم الهرش، الذي ارتبط اسمه بالموقف الرافض لتدويل سيناء والتأكيد على مصريتها، إلى جانب الإشارة إلى شخصيات وطنية شاركت في جهود رصد التحركات ونقل المعلومات.
وتبرز هذه الشهادات كيف تتداخل الذاكرة الاجتماعية مع التاريخ الوطني في روايات أبناء سيناء؛ فالمكان الذي شهد مواسم الصيد والتجمعات العائلية كان أيضًا جزءًا من حياة السكان في مراحل صعبة من تاريخ البلاد.
السمان.. هبة طبيعية ومسؤولية في التعامل مع البيئة
وينظر عدد من المشاركين في اللقاء إلى السمان باعتباره رزقًا موسميًا وهبة من الطبيعة، وهو ما يفسر المكانة التي يحتلها في الوجدان الشعبي السيناوي، فضلًا عن حضوره في المائدة المحلية خلال فترة الموسم.
لكن استمرار هذه المنفعة يرتبط أيضًا بأهمية الحفاظ على الطيور المهاجرة وموائلها الطبيعية، والالتزام بالقواعد المنظمة للصيد، بما يضمن عدم الإضرار بالتوازن البيئي أو استنزاف الموارد التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية.
وتزداد أهمية هذا الجانب مع اتساع النشاط وظهور وسائل وتقنيات جديدة، بما يستدعي التوفيق بين الاستفادة الاقتصادية من الموسم والحفاظ على الثروة الطبيعية التي تمنحه قيمته.
موسم السمان.. حكاية رزق تتجدد كل عام
تكشف جولة «ساعة من سينا» أن موسم السمان في شمال سيناء ليس مجرد فترة موسمية لبيع الطيور وشرائها، بل منظومة متكاملة تتداخل فيها الطبيعة والاقتصاد والتراث والعلاقات الإنسانية.
فمن الصياد الذي ينتظر أسراب الطيور، إلى التاجر الذي يجوب القرى لجمع حصيلة الصيد، ومن أصحاب الأدوات والخامات إلى الأسر التي تستقبل ضيوفها، تتوزع منافع الموسم على أطراف متعددة، بينما تظل اللمّة العائلية والحنين إلى الماضي عنصرين أساسيين في خصوصيته.
وهكذا، يواصل السمان رحلته الموسمية فوق أرض الفيروز، حاملاً معه حكايات أجيال متعاقبة، ومجددًا موعدًا ينتظره أبناء سيناء كل عام، حيث يلتقي الرزق بالتراث، وتبقى الطبيعة جزءًا من هوية المكان وذاكرة أهله.
لمشاهدة الحلقة كاملة
