دعت الدكتورة شيرين الشواربي، عميدة كلية السياسة والاقتصاد وإدارة الأعمال بجامعة مايو بالقاهرة، إلى وضع برنامج وطني متكامل للتحول الاقتصادي يحدد أولويات الاستثمار والإنتاج، ويترجم المشروعات القومية إلى فرص عمل مستدامة ودخول أفضل للمواطنين، فيما طالب خبراء الصناعة والسياحة بتوفير حوافز للقطاعات الإنتاجية وتيسير التمويل وتحسين بيئة الأعمال.
شهد برنامج «اقتصاد مصر» تقديم الاعلامي أحمد أبو طالب المذاع على قناة أزهري الفضائية مناقشة انطلاق منتدى مصر 2026، الذي عُقد تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد»، بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي ومسؤولين وخبراء ومتخصصين ومواطنين، بهدف فتح مساحة للحوار حول مسار التنمية الاقتصادية، وتقييم ما تحقق خلال السنوات الماضية، ومناقشة التحديات الراهنة وأولويات المرحلة المقبلة.
وخلال اللقاء، أكدت الدكتورة شيرين الشواربي أن أهمية المنتدى لا تقتصر على عرض الإنجازات والمشروعات التي نفذتها الدولة، بل تمتد إلى بحث مدى انعكاس هذه الجهود على مستوى معيشة المواطنين وجودة الخدمات وفرص العمل، إلى جانب وضع رؤية واضحة للاستفادة من الاستثمارات القائمة وتحقيق عائد اقتصادي واجتماعي ملموس.
منتدى مصر 2026.. من عرض الإنجازات إلى تحديد أولويات المستقبل
أوضحت الشواربي أن إطلاق المنتدى يأتي في توقيت تتزايد فيه الحاجة إلى توضيح العلاقة بين ما تنفذه الدولة من مشروعات وما يشعر به المواطن في حياته اليومية، مشيرة إلى أن هناك إنجازات لا يمكن إنكارها، لكن في المقابل تستمر شكاوى المواطنين من الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة.
وأضافت أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد عرض ما تحقق إلى صياغة برنامج وطني للتحول الاقتصادي يحدد مسار المستقبل، ويضع أهدافًا قابلة للتنفيذ والقياس، مع تحديد الجهات المسؤولة والجداول الزمنية ومؤشرات متابعة النتائج.
وشددت على أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل الرؤى الاقتصادية إلى سياسات عملية، موضحة أن الحديث عن التحول من نموذج يعتمد على الاستهلاك إلى نموذج يقوم على الإنتاج والتصدير والاستثمار ليس جديدًا، لكن الأهم هو تحديد الأولويات الفعلية، وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات القادرة على تحقيق عائد مستدام.
الصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا.. قطاعات محورية للنمو
أكدت الشواربي أن تحقيق تحول اقتصادي حقيقي يتطلب تنويع القاعدة الإنتاجية، وعدم الاعتماد على قطاع واحد أو نشاط اقتصادي بعينه، لافتة إلى أهمية التركيز على الصناعة التحويلية والزراعة والسياحة والطاقة والتكنولوجيا والاتصالات.
وأشارت إلى أن التوسع العمراني وإنشاء المدن الجديدة وشبكات الطرق والبنية التحتية يمثلان خطوات مهمة، لكن تعظيم العائد منها يتطلب تحويل هذه المدن إلى مراكز إنتاجية جاذبة للاستثمارات، من خلال إنشاء تجمعات صناعية وخدمية توفر فرص عمل دائمة، وتدعم حركة التصنيع والنقل والخدمات اللوجستية.
وأضافت أن استمرار الاعتماد على قطاع التشييد والبناء وحده لا يضمن توفير وظائف مستقرة على المدى الطويل، إذ ترتبط بعض فرص العمل فيه بمدة تنفيذ المشروعات. ولذلك، فإن المطلوب هو بناء أنشطة اقتصادية قادرة على الاستمرار والتوسع، بما يضمن استقرار دخول العاملين وارتفاع القيمة المضافة للاقتصاد.
كما شددت على ضرورة تحديد الصناعات التي تمتلك مصر فيها فرصًا تنافسية حقيقية، ودراسة احتياجات الأسواق المحلية والخارجية، بدلًا من توزيع الموارد على أنشطة متعددة دون تحديد واضح للأولويات والعائد المتوقع.
خبير صناعي: التمويل وتكاليف الإنتاج من أبرز التحديات
من جانبه، أكد المهندس محمد البهي، الخبير الصناعي، أن الصناعة المصرية تمتلك تاريخًا طويلًا وإمكانات تؤهلها للقيام بدور محوري في دفع النمو الاقتصادي، مشددًا على ضرورة مواكبة التطورات التكنولوجية العالمية وتحديث أدوات الإنتاج بصورة مستمرة.
وأوضح أن الأزمات المتتالية خلال الفترة الماضية أثرت في أرباح العديد من الشركات الصناعية، وقلصت هوامش الربح، في وقت تمثل فيه تكلفة التمويل أحد أبرز التحديات أمام المصنعين، خاصة مع ارتفاع تكلفة الاقتراض واحتياجات شراء الآلات ومستلزمات الإنتاج المستوردة.
وأشار إلى أهمية التوسع في إنشاء المصانع الصغيرة والمتوسطة داخل المحافظات، بما يدعم انتشار النشاط الصناعي خارج المراكز الرئيسية، ويوفر فرص عمل للشباب، ويساعد على إنشاء صناعات مغذية ترفع القيمة المضافة للمنتجات المصرية وتعزز قدرتها التنافسية في الأسواق المحلية والخارجية.
واقترح التركيز على قطاعات صناعية محددة يمكنها تحقيق عوائد تصديرية مرتفعة، مشيرًا إلى صناعة الأدوية والمكملات الغذائية باعتبارها من المجالات التي تمتلك فيها مصر فرصًا للتوسع، في ضوء قدراتها الصناعية واتفاقياتها مع الأسواق الإفريقية والإقليمية والدولية، فضلًا عن توافر النباتات الطبية التي يمكن أن تمثل مدخلًا مهمًا لهذه الصناعة.
وأكد أن تحقيق نهضة صناعية واسعة يحتاج إلى أهداف واضحة ومحددة، مع اختيار القطاعات ذات الفرص الواعدة والعمل على تطويرها وفق خطط قابلة للتنفيذ.
إصلاح بيئة الأعمال وتعزيز دور القطاع الخاص
وفي سياق متصل، شددت الشواربي على أن زيادة الإنتاجية تتطلب معالجة التحديات التي تواجه المستثمرين والمصنعين، وفي مقدمتها تعقيدات الإجراءات وتعدد الجهات التي يتعامل معها أصحاب المصانع، إلى جانب الوقت الذي تستغرقه الواردات الوسيطة في الموانئ والإجراءات المرتبطة بها.
وأوضحت أن ارتفاع تكاليف المعاملات والإجراءات الإدارية قد يحد من قدرة الشركات على التوسع، ويؤثر في تنافسية المنتج المصري، مؤكدة ضرورة تبسيط الإجراءات وتوفير بيئة أعمال أكثر كفاءة وشفافية.
كما دعت إلى مناقشة دور الدولة في النشاط الاقتصادي بصورة موضوعية، مع ضمان الحياد التنافسي وتكافؤ الفرص بين الشركات، بحيث يتركز التدخل الحكومي في الأنشطة التي تقتضيها اعتبارات استراتيجية واضحة، مع إتاحة المجال أمام القطاع الخاص لزيادة الاستثمار والإنتاج.
وأضافت أن توفير مناخ استثماري مناسب من شأنه المساعدة على إعادة تشغيل الطاقات الإنتاجية المعطلة، والتوسع في المصانع القائمة، بدلًا من الاعتماد فقط على إنشاء مشروعات جديدة، بما يسهم في زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل.
إدارة الدين العام وربط الاقتراض بالعائد الاقتصادي
وتطرقت الشواربي إلى ملف الدين العام، مؤكدة أن تقييم المشروعات التي جرى تمويلها بالاقتراض يجب أن يستند إلى مقارنة واضحة بين تكلفتها والعائد الاقتصادي والاجتماعي الناتج عنها.
وأشارت إلى أن مشروعات البنية التحتية والطرق والمدن الجديدة تمثل استثمارات قائمة، لكن تعظيم الاستفادة منها يتطلب أن تتحول إلى أنشطة إنتاجية تحقق عوائد تساعد على دعم الاقتصاد وتخفيف أعباء المديونية.
وشددت على أهمية وضع قواعد واضحة للاقتراض الجديد، بحيث يوجه إلى مشروعات قادرة على تحقيق عائد مناسب وفي توقيت يتوافق مع الالتزامات المالية المترتبة عليها، مع العمل على تحسين إدارة الدين وتنويع مصادر التمويل وإطالة آجال الاستحقاق وخفض تكلفة الاقتراض كلما أمكن.
وأكدت أن المطلوب لا يقتصر على إدارة الدين القائم، بل يشمل أيضًا معالجة الأسباب التي قد تؤدي إلى تكرار الأزمة، من خلال زيادة الإنتاج والصادرات، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد.
كما دعت إلى تبني سياسات اقتصادية كلية تراعي آثار القرارات المالية والنقدية على التضخم والتشغيل والاستثمار والإنتاج، وليس الاقتصار على متابعة مؤشرات الاستقرار الاقتصادي بمعزل عن تأثيرها في الأسر والشركات.
السياحة تطالب بحوافز لزيادة الإيرادات والاستثمارات
وفي ملف السياحة، أكد مجدي صادق، عضو غرفة شركات السياحة، أن القطاع يستفيد من حالة الاستقرار التي شهدتها البلاد، مشيرًا إلى أن بيانات ذكرها خلال اللقاء أفادت بوصول عدد السائحين إلى نحو 18 مليون سائح خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بإيرادات بلغت نحو 18 مليار دولار، مع استهداف الوصول إلى 20 مليون سائح بنهاية العام.
وأوضح أن زيادة مساهمة السياحة في موارد الدولة تتطلب توفير حوافز تشجع الاستثمار في المنشآت الفندقية، وتدعم زيادة الطاقة الاستيعابية للفنادق، وتطوير أساطيل النقل السياحي، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للزائرين.
وطالب ببحث إعفاءات جمركية وضريبية للأنشطة السياحية، مستشهدًا بالتجارب السابقة التي شهدها القطاع، معتبرًا أن توفير هذه الحوافز يمكن أن يساعد الشركات على التوسع، ويزيد قدرتها على استيعاب أعداد أكبر من السائحين.
وأضاف أن نمو السياحة لا يعتمد فقط على زيادة أعداد الزائرين، بل يتطلب أيضًا توفير بنية فندقية وخدمية مناسبة، وتطوير وسائل النقل السياحي، والاستعداد لاستقبال الزيادات المستهدفة في الحركة السياحية.
النمو الاقتصادي لا يكفي دون فرص عمل ودخول مستقرة
وفي حديثها عن أثر السياسات الاقتصادية في المواطنين، أكدت الشواربي أن ارتفاع معدلات النمو لا يضمن وحده تحسن مستوى المعيشة، ما لم ينعكس على زيادة فرص العمل وتحسين الأجور وتوفير وظائف لائقة ومستقرة.
وأوضحت أن المواطن لا يقيس الأداء الاقتصادي بالأرقام والمؤشرات وحدها، بل بما يلمسه في أسعار السلع والخدمات، وقدرته على تلبية احتياجات أسرته، والاحتفاظ بجزء من دخله للادخار، بدلًا من استهلاك معظم موارده في متطلبات الحياة اليومية.
وأضافت أن الحماية الاجتماعية، رغم أهميتها في مساندة الأسر الأكثر احتياجًا، لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن النمو الإنتاجي وتوفير فرص العمل، خاصة في ظل محدودية الموارد العامة والضغوط التضخمية.
وأشارت إلى أن برنامج «تكافل وكرامة» يمثل إحدى أدوات الدعم الاجتماعي، لكنه لا يغني عن سياسات أوسع تستهدف زيادة الدخول وتحسين القدرة الشرائية وتوفير فرص عمل مستدامة.
كما لفتت إلى الضغوط التي تواجه الطبقة المتوسطة، موضحة أن ارتفاع تكاليف المعيشة يدفع بعض الأسر إلى تغيير أنماط استهلاكها أو اللجوء إلى بدائل أقل جودة، وهو ما يجعل تقييم الأوضاع الاقتصادية مرتبطًا أيضًا بمستوى الخدمات والقدرة على الادخار وجودة الحياة.
إعادة تشغيل المصانع المتعثرة أولوية لزيادة الإنتاج
وأكدت الشواربي أن إعادة تشغيل الطاقات الإنتاجية المعطلة تمثل فرصة مهمة لزيادة الإنتاج في وقت أقصر نسبيًا، بدلًا من البدء من الصفر في إنشاء مصانع جديدة.
وأوضحت أن تحسين بيئة الاستثمار وتوفير التمويل وتيسير الإجراءات من شأنه مساعدة المصانع المتعثرة على العودة إلى العمل بكفاءة أكبر، بما ينعكس على زيادة المعروض من السلع، وخلق فرص عمل، وتحسين قدرة الشركات على المنافسة.
وشددت على ضرورة إتاحة الفرصة للقطاع الخاص للعمل في بيئة عادلة وشفافة، تتسم بتوحيد قواعد المنافسة، وتحد من العقبات الإدارية التي ترفع تكاليف الإنتاج وتضعف القدرة على التوسع.
وأضافت أن معالجة تحديات الإنتاج قد تسهم في تخفيف الضغوط السعرية من خلال زيادة المعروض، بالتوازي مع استمرار الرقابة على الأسواق ومواجهة الممارسات غير العادلة، مع التأكيد أن الرقابة وحدها لا تكفي لخفض الأسعار إذا ظلت تكاليف الإنتاج مرتفعة.
برنامج وطني للتحول الاقتصادي.. ضرورة للمرحلة المقبلة
وفيما يتعلق بمستقبل الإصلاح الاقتصادي، شددت الشواربي على أهمية إعداد برنامج وطني متكامل للتحول الاقتصادي، يشارك في صياغته خبراء الاقتصاد والمتخصصون، ويحدد أهدافًا واضحة وأولويات تنفيذية وجداول زمنية ومسؤوليات محددة.
وأوضحت أن وجود برنامج وطني لا يتعارض بالضرورة مع التعاون مع المؤسسات الدولية، لكنه يمنح الدولة رؤية متكاملة تنطلق من احتياجات الاقتصاد المصري وأولوياته، وتجمع بين السياسات الصناعية والزراعية والسياحية والمالية والاجتماعية في إطار واحد.
وأكدت أن التحدي لا يتمثل في نقص المقترحات أو الأفكار، بقدر ما يتعلق بقدرة البرنامج على الربط بين هذه المقترحات وضمان اتساقها مع الهدف الاقتصادي العام، وتحويلها إلى خطوات قابلة للتنفيذ والمتابعة والتقييم.
واختتمت الشواربي حديثها بالتأكيد على أهمية التفاؤل بمستقبل الاقتصاد المصري، مع ضرورة الاستفادة من نتائج الحوار الوطني في وضع حلول عملية للتحديات القائمة، مشددة على أن مصر تمتلك فرصًا وإمكانات تستحق العمل على توظيفها بصورة أفضل، بما يعزز قوتها الاقتصادية إلى جانب مكانتها السياسية والإقليمية.
لمشاهدة الحلقة كاملة
