لم تكن مقاومة الاحتلال في سيناء حكاية سلاح فقط، بل ملحمة من الصمود والتضحية، سطرها رجال ونساء آمنوا بأن الأرض لا تُسترد إلا بالإرادة، وأن الحفاظ على الإنسان جزء لا يتجزأ من حماية الوطن. ومن بين صفحات هذه الملحمة، تبرز بطولات المجاهد الشيخ سلمان اليماني، والمجاهدة فهيمة نصار، كنموذجين من نماذج المقاومة الشعبية التي ارتبطت بتاريخ سيناء الوطني.

ينتمي الشيخ سلمان اليماني إلى قبيلة البياضية بشمال سيناء، وسط أسرة ارتبط اسمها بالنضال الوطني والعمل العام، وامتد دورها من مواجهة الاحتلال إلى دعم أبناء سيناء في أصعب الظروف.
وعقب نكسة عام 1967 وتهجير الأهالي إلى عدد من محافظات مصر، لعب الشيخ سلمان دورًا مهمًا في رعاية الأسر المهجّرة، وتوفير المعونات الغذائية والاحتياجات الأساسية، والمساهمة في تسكين الطلاب وتيسير حصول الأسر على العلاج، ليصبح حلقة وصل بين أبناء سيناء ومؤسسات الدولة.
وامتدت جهود أسرة اليماني إلى العمل الوطني؛ إذ تولى اللواء محمد محمود اليماني مسؤوليات عسكرية واستخباراتية، ارتبطت بجهود جمع المعلومات والتنسيق مع شبكات المجاهدين، فيما كان للنائب سالم اليماني حضور سياسي بارز، من خلال تمثيل أبناء سيناء والدفاع عن هويتها المصرية.
وتقديرًا لدوره الوطني، مُنح الشيخ سلمان اليماني نوط الامتياز من الطبقة الأولى من الرئيس الراحل محمد أنور السادات، كما حملت مدرسة إعدادية بقرية نجيلة اسمه، لتظل ذكراه حاضرة في وجدان الأجيال.
ومن بطولات الرجال إلى حكاية امرأة سيناوية استثنائية، تبرز المجاهدة الراحلة فهيمة نصار، ابنة قبيلة البياضية، التي جسدت شجاعة المرأة السيناوية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، رغم أميتها وبساطة حياتها.
فبينما كانت ترعى الأغنام في الجبال، كانت ترصد تحركات القوات والمركبات العسكرية، وتنقل المعلومات إلى زوجها الشيخ خليف مقبل، الذي كان يتولى تدوينها وتسليمها إلى الجهات المصرية المختصة. كما ساهمت في نقل المؤن والمياه والمراسلات باستخدام الجمال، مستفيدة من معرفتها بالطبيعة الجغرافية لسيناء.
ومن أكثر المواقف التي تكشف عن شجاعتها، ما روته ابنة أختها الحاجة تفاحة الهرش عن اقتحام دورية إسرائيلية منزل الأسرة بحثًا عن أوراق وأدلة تخص العمل الوطني. يومها، نجحت فهيمة في إخفاء الأوراق داخل سلة للبلح، وغطتها بجريد النخل، بينما تعاملت مع الموقف بثبات وهدوء، في مشهد يعكس ذكاءها وقدرتها على مواجهة الخطر.
ولم تكن تلك البطولات بعيدة عن تضحيات بقية المجاهدين، الذين تعرض بعضهم للاعتقال والتعذيب في سجون الاحتلال، قبل الإفراج عنهم في عمليات تبادل أسرى.
وتبقى مواقف أبناء سيناء في مواجهة محاولات فصلها عن الوطن من أبرز صفحات التاريخ الوطني، وفي مقدمتها مؤتمر الحسنة عام 1968، الذي ارتبط بمواجهة محاولات الاحتلال فرض واقع سياسي على سيناء بعيدًا عن مصر، حيث تمسك أبناء المنطقة بهويتهم المصرية ورفضوا الانفصال عن الوطن.
وقد حظيت المجاهدة فهيمة نصار بالتكريم تقديرًا لدورها الوطني، ومنحت نوط الامتياز من الطبقة الأولى، لتبقى سيرتها شاهدًا على أن البطولة لا ترتبط بالتعليم أو المكانة، وإنما بالإخلاص والشجاعة والاستعداد للتضحية.
